القائمة الرئيسية

الصفحات

سيبقى حزيران في ذاكرتي سأسترجع حق أبي الضائع قصة حزينة قصيرة واقعية

إنها الليلة الاولى من حزيران، كانت تلك الليلة محفورة في ذاكرتي ،فقد بدت عليها معالم حرارة الصيف جلية. 
أتذكر انني لم أستطع النوم حينها، كنت أتقلب يمينا وشمالا،علّني أجد نسيم هواء بارد يغمض جفون عيني ،لكن دون جدوى فالنوم يابى يزورني ،كنت أتصبب عرقا ،أهوم بين ارجاء غرفتي تارة وتارة اخرى أسترق النظر من خلف نافذة غرفتي آملا أن تلفح نسمات هواء بارد وجهي .

سيبقى حزيران في ذاكرتي| سأسترجع حق أبي الضائع(قصة حزينة قصيرة واقعية)

سيبقى حزيران في ذاكرتي سأسترجع حق أبي الضائع قصة حزينة قصيرة واقعية


وأنا واقف أمام نافذة غرفتي أراقب حينا نجوم السماء ،وحينا اخرى أسترق سمع صوت انامل جارتي العجوز وهي تصب القمح في الرحى لتصنع دقيقا ،ماهي إلاّ لحظات حتى سمعت صوتا خافتا من بيت جارتي وتمتمات غير مفهومة ،أتذكر أنّه أخذني الفضول حينها لدرجة أنّني خرجت من غرفتي متجّها إلى الفناء المجاور لبيتي جارتي علّني أستطيع أن أسترق السمع وأفهم  مايدور .

نعم لقد بدأ الصوت يتضح...أحضري لي كيس السلاح وجرة النقود يافاطمة ...إيّاك أن يسمعك الأطفال ويستيقضو هيا أسرعي ...هذا ماسمعته ! ..لقد بدأ الخوف يدب في قلبي، فعدت أدراج غرفتي واتّجهت إلى سريري بعدما أغلقت النّافذة وعانقت وسادتي في خوف .
بدأت دقات قلبي تتزايد ونفسي يكاد ينقطع نعم إنه الخوف والهلع، فليس ببعيد حدث إنفجار كبير في الثكنة العسكرية المجاورة لحيّنا ،أظن أنه حرب عصابات أو ماشابه،هكذا يحدث في الأفلام عكس ماروت لي أمي وقالت أنّه حدث حريق وانفجار إثر صعقة كهربائيّة،لقد تيّقنت أنّها كانت تكذب وتخفي الحقيقة ،بل أنا متأكد من ذلك ...أنا خائف جدا مالذي سيفعله جارنا بالسلاح ؟!...سلاح!...لم أرى السّلاح إلاّفي الأفلام !
ومن شدة خوفي هممت مهرولا إلى غرفتي أمي وانا ادّق الباب مرتجفا ..أمي أمي فاندعت أمي نحوي معانقة لي وهي تقول:  مابك ياولدي ؟
ماذا تريد ؟...أنا خائف يأمي لقد سمعت صوت ...ولم أكد أنهي جملتي في تأتأة حتى سمعنا صوت دوي وانفجارات خارج المنزل ...فركضنا انا وأمي باتجاه القبو الذي لاطالما كنت أسأل امي عنه فتقول أنها تجمع وتخفي فيه المؤونة ...لقد عرفت في تلك الليلة أن القبو هو الملجأ للهروب والإختفاء ...وعرفت أنّ أبي الغائب طول تلك الليالي الماضية يجاهد في الجبال من أجل الوطن ...عرفت أن هناك عدوا يترصد بنا ويريد أن ينتهك أرضنا وبلدنا ...لقد كانت صدمة كبيرة !

مزال الضجيج خارجا...صوت عويل وصراخ ...دوي إنفجارات عنيفة يكاد صوتها يخترق آذاننا...وبين كل هذا وذاك لاتزال امي تعانقني وأنا أحس برجفة يدها على رأسي وأسمع همسات دعواتها الخافتة، تمرّ الدّقائق في ثقل ،لقد كان عقلي لا يستوعب مايحدث ،كأنّه مشهد من الخيال.
في زاوية القبو وعلى صدري أمي أغمضت عينايمن شدة الهلع ،وبعدها لم أفق إلا على صوت أمّي ...هيّا ياحبيبي افق لم يحدث أي شيئ كلّ شيئ على مايرام .
نعم لم اعد أسمع صوت الرصاص لقد إختفى ..ليس هناك دويّ وانفجارات لقد إنتهى كلّ شيئ الحمد لله .
وبخطى متثاقلة يدا بيد أمّي التي لازالت ترتجف، هممنا بالخروج من القبو بإتجاه الفناء والشارع وما إن وطأت أقدامنا شارعنا العتيق ،حتّى لمحنا تلك الصورة المرعبة ...أشلاء وجثث ...دماء ودمار ...لم تعد البيوت على حالها ...أين جدان مسجدنا الكبير ؟...أين أوراق العنب المتدلية على فناء بيتنا؟!...أين هي ثمار مشمش جارتنا الحلوة ؟...أمي لم أعد ارى أرجوحتي المعلقة !...أمي دراجتي المتكأة على باب المنزل منزوعة العجلات ...أمي إنّها دمية صديقتنا شيماء ملطّخة بالدّماء !...أمي أمي أمي ..كلمات تأبى حروفها ان تنتهي ...تساؤولات يأبى القدر أن يجيبها ...صور تقشعّر لها الأبدان ،أطفال يتّموومساجد أحرقت ،مدارس هدّمت ،وأباء سجنو ،هذا ماسيفعله بنا العدو !؟...أنا لا أريد ان أموت يا أمي .

سيبقى حزيران في ذاكرتي| سأسترجع حق أبي الضائع(قصة حزينة قصيرة واقعية)

سأسترجع حق أبي الضّائع ...لن تأخذو منّا شبر أرض ...سارفع مئذنة المسجد الذي هدموه ...وسأغيد شيماء لمدرستها بساقها المبتروة ...نعم بترو ساقها لكن لن يبترو حلمها ...كنت أصرخ بأعلى صوتي وأقول لن يضيع حقّ وطني الغالي ...نعم إنّه العدو إستنزف كل مالدينا لكن لن يستنزف قوّتنا وإيماننا ...أمّي سأناضل وأجاهد واكافح من أجل هذا الوطن الغالي .
نعم إنها أحداث الليلة الأولى من حزيران التي يأبى عقلي أن ينساها .


أين هويتي





تابعنا هنا

 

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات